الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
51
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : إنكارهم له إضعافهم لقواه الظاهرة والباطنة كأنهم قاطعون عنه ما عوّدوه عليه وهو شاب من الإمداد في باطنه وظاهره ، وقال ذلك لأنه كان وهو شاب يقوى على حمل مشاقّ محبتهم ويقوم في خدمتهم وامتثال أوامرهم واجتناب نواهيهم على أبلغ وجه وأكمل حال فلما كبر وشاب ضعف عن ذلك وعجز عن تمام الخدمة ، فهو يخاف أن يكون ذلك إنكارا منهم له وهضما لجنابه عندهم . اه . وهوى الغادة عمري عادة يجلب الشّيب إلى الشّاب الأحيّ الهوى : مقصور بمعنى العشق . و « الغادة » بالمعجمة : هي المرأة الناعمة البيّنة الغيد . والعمر : بمعنى الحياة . والعادة : الديدن . و « الشيب » : بياض الشعر . و « الشاب » : اسم فاعل والباء مشددة فالأولى عين الكلمة ، والثانية لامها وهو الفتى وإحدى الباءين محذوفة تخفيفا . و « الأحيّ » : مصغّر أحوى ، وهو من كان سواده يضرب إلى خضرة ، أو هو ذو حمرة ضاربة إلى السواد . الإعراب : الواو : للحال ، وهوى : مبتدأ ومضاف إليه . وعمري : مبتدأ محذوف الخبر وجوبا ، أي قسمي أي ما أقسم به . وعادة : منصوب على أنها نعت مصدر محذوف أي جلبا عاديّا ، وجملة يجلب الشيب إلى آخره خبر المبتدأ وما بينهما اعتراض وعائد المبتدأ ضمير في يجلب . المعنى : كيف الإنكار في حال الكهولة لمن عرف فتى صغيرا مع أن هوى الحبيبة سبب في العادة لشيب الشاب الأسمر الذي من شأنه إبطاء الشيب ، فليس إسراع الشيب إلا من تحمّل مشاقّ الهوى ومكابدة ما تقتضيه المحبة من الأسقام والجوى وللّه درّ القائل حيث قال : وما إن شبت من كبر ولكن * رأيت من الأحبة ما أشابا وقال المهيار : بعادك من بعد اكتهالي تكهّل * وعذرك من قبل المشيب مشيب وقال الآخر : سألت من الأطبا ذات يوم * خبيرا ممّ شيبي قال بلغم فقلت له على غير احتشام * لقد أخطأت فيما قلت بل غم وقال أبو فراس الحمداني : وما أربت على العشرين سنّي * فما عذر المشيب إلى عذاري